تلوث المياه في العراق يدفع العراقيين للجوء الى المياه المعبئة

حاورهُ - بحر جاسم 
تصوير - ريتا وائل

يؤكد الباحثون في مجال بايلوجيا الحياة على ان الماء يدخل في تركيب مادة الخلية الحية، ووحدة البناء في كل كائن حي نباتاً كان أم حيوانا، وأثبت علم الكيمياء الحيوية أن الماء ضروري لحدوث جميع التفاعلات والتحولات التي تدخل في أجسام الأحياء، فهو إما وسط أو عامل مساعد، أو داخل في التفاعل، أو ناتج عنه، وهو ضروري لقيام كل عضو بوظائفه التي من دونها لاتتوفر له مظاهر الحياة ومقوماتها؛ لذلك فإن تغيير طبيعة الماء وتلوثه من أخطر المشاكل التي تواجه العراق.
اسباب تلوث مياه الشرب
أسباب كثيرة ومتعددة تقف وراء مشكلة تلوث المياه في العراق؛ منها:

1-القاء نفايات المصانع والمستشفيات في الأنهر خصوصاً في ( دجلة و الفرات )



2-قدم وسائل وطرق معالجة المياه التي تعود الى سبعينات القرن الماضي، فالمفروض أن تتم معالجة المياه معالجة صحيحة وعلمية تتناسب مع التطور الذي حصل لمعالجة المياه في دول العالم، فالتصفية تتم  بمادَّة "الشب"، إضافة إلى مادة "الكلور"؛ واحيانا يتم إضافة هاتين المادتين الخطيرتين بشكل غير علمي، وإنما بكميات عشوائية وبالتالي فتكون النتيجة عكسية على صحة المواطن.


3-قلة منسوب مياه نهري دجلة والفرات بسبب قلة الماء الداخل للعراق من دول الجوار؛ ما تسبب بانخفاض في مستوى منسوب الماء، حيثُ يؤكد خبراء مختصون في معالجة المياه أن ذلك يؤثِّر بشكل كبير على عملية تصفية المياه، وجعلها غير صالحة للشرب، حيث تبرز صعوبات كثيرة أهمها أنَّ نسبة تركيز الجراثيم تكون عالية في المياه الضَّحلة والمنخفضة.




وبسبب التلوث لجأ الكثير من  الناس الى استهلاك المياه ألمعبأة التي تعالج بعملية الترشيح لإزالة الرواسب كالتراب او اية متبقيات أخرى، وتعقم بالاوزون اوبالاشعة الفوق البنفسجية، وانتشرت المصانع المحلية لتصفية المياه في العديد من محافظات العراق دون وجود معايير قياسية، حيث انتشر ما يقارب المأتي معمل وعدد قليل منها مسجل لدى وزارة الصحة العراقية.

لأجل ذلك اجرت مجلة الحوار زيارة لأحد المصانع المحلية التي تعمل على تعبئة وتعقيم الماء في مدينة كركوك، وهناك التقت بالسيد عصام توفيق كاظم المدير المفوض لمعمل منى للمياه المعدنية واجرت معه الحوار التالي:
**هل لك ان تعطينا فكرة عامة عن المعمل وبداياته؟.
 -كما تعلم سبب اقبال الناس على المياه المعدنية جاء بسبب مشاكل في المياه، وفي سنة 2008 الشهر الثامن بدأنا بالتخطيط لإنشاء المعمل من خلال أخذ فكرة عامة عن صناعة المياه المعبئة في الدول الاوربية وخاصة المانيا و فرنسا و ايطاليا حيث توصلنا الى فكرة كاملة حول البناء وكيفية تتم مراحل الانتاج، وقد اكملنا البناء لأساس المعمل عام 2009 من الشهر الثالث و معداتنا جميعها ايطالية المنشأ.
**ما هي العمليات التي يمر بها الماء قبل ان يعبأ في القناني؟.
-عمليات كثيرة جدا؛ ففي بادئ الامر يدخل لمنظومة التحلية لأن الملوحة الموجوده في مياه الإسالة تأتي فوق 300 او 400 احيانا والمعيار الصحي يجب ان يكون مستواها في حدود O.30 -O.60 بينما الملوحة التي لدينا في مياه الاسالة تصل الى O.340 –O.320.
 ثم تدخل الى خزانات المياه الضخمة التي اعدت لتستقر فيها ماء الإسالة لنقلل  نسبة مادة الكلور التي تحتويها، وبعدها نبدأ بالمراحل الاخرى للتعقيم التي تشمل: 
اولا-المعاملة بنترات الكاربون؛ وعمله هو التخلص من نسبة الكلور في الماء.
ثانيا-التمرير عبر الرمل؛ وعمله سحب الشوائب.  
ثالثا-مرحلة الأوزون و عمله تصفير نسبة الملوحة في الماء.
 هذه هي باختصار أهم المراحل، وقد جهزنا المعمل مؤخرا بجهاز جديد اسمه (الترا فلتر) وهذا الجهاز يصفي الماء من جميع انواع البكتريا والميكروبات ليصفي المياه تماما وبعدها تذهب المياه الى داخل خزانات ضخمة لتستقر فيها المياه، هذا الى جانب وجود جهاز (UV) للأشعة فوق البنفسجية الذي يعمل كذلك على قتل البكتريا.
بعد ذلك تدخل المياه داخل فلاتر لأن جهاز الـ(UV) حين يقتل البكتريا تصبح كأنها تشبه مادة الطباشير، هذه الفلاتر تساعد في تنظيفها والتخلص منها، لانها ان لم تصفى بالفلاتر فإنها تعود لتذوب في الماء مرة ثانية.
 وفي النهاية توضع في خزانات ويسلط عليها اوكسجين نوع (O3) لأنه يساعد على حفظها لمدة ستة اشهر.
** هل هذه الاجهزة التي ذكرتها متوفرة في معملكم حصرا دون المعامل الأخرى؟.
- بالنسبة للمعامل الباقية لا اعلم بالتحديد؛ ولكن المعامل الكبيرة المنتشرة في انحاء العراق تحتوي على هذه الاجهزة، ولكن المعامل الصغيرة الموجودة داخل المحافظة لا توجد فيها هذه الاجهزة لأنها اولا تحتاج الى مساحة كبيرة والنقطة الثانية هي مكلفة جدا، لذلك منافسينا الأقوى في السوق المعامل الصغيرة  لأنها لا تملك الاجهزة المكلفة ولا تمر بمراحل التعقيم التي ذكرت، لذلك كلفة الانتاج عندهم قليلة وبالتالي سعرها يكون منافس لنا، فكل مرحلة من مراحل التصفية والتعقيم التي ذكرتها لك لها كلفة معينة، مثلا مرحلة التعقيم بنترات الكاربون وسعرها 12 الف دولار يجب تبديل المادة الاساسية للتعقيم فيها كل شهر، وعند قسمة هذا الرقم على الانتاج الشهري ينتج عنه ان كل عبوة تكلف 3سنتات فقط في هذه المرحلة، ولك ان تقيس على باقي المراحل.
الحوار-لم اعثر على أي إحصائية موثقة تحصي نسبة استهلاك المواطن للماء ألمعبأ؛ هل لديكم فكرة عن هذه النسبة؟. 
-بحسب تقديراتنا فان 40% من الشعب العراقي يستعمل المياه المعدنية، ولدينا كل سنة زيادة في الطلب على منتوجنا وهكذا نعلم بأن الناس بدأت بزيادة الاستهلاك.
**-ما هي العوامل التي تساعد في ارتفاع مستوى استهلاك المياه المعبئة؟.
-دائما ما نقول الثقافة مهمة؛ فمياه الإسالة تأتي عبر مئات الكيلومترات، والحكومة  لا تستخدم غير مادة الكلور في التصفية؛ وأثبت العلم بأنها مادة مسرطنة وفيها أضرار على الكبد، والناس في الوقت الحالي بدأت تهتم بصحتها، لذلك تلجأ للمياه المعبئة.
** هل هناك رقابة من وزارة الصحة عليكم؟. 
-بالتأكيد فأسبوعيا تأتي الصحة وتفحص المعمل و يأخذون النماذج لتحليلها عندهم وبعد يومين تتقرر النتائج واذا كانت هناك اي نتائج سلبية يوقف المعمل عن العمل فورا.  
ا**اذا كان هناك معامل صغيرة لا تملك اجهزة التصفية المطلوبة فكيف تمارس وزارة الصحة الرقابة عليها؟ هل هناك تقصير في هذا الأمر من وجهة نظرك؟.
-هذا السؤال تجيب عنه وزارة الصحة، ولكن ماهو دور المعمل ان لم يصفر الكلور والملوحة والبكتريا في الماء؟! ولكن هذا الشئ موجود في بعض المعامل علينا أن نعترف، وقد سمعنا العام الماضي أن السلطات بدأت بإغلاق بعض المعامل في النجف والناصرية وبغداد.
**هل تصلكم ملاحظات من المستهلكين على الماء الذي تنتجونه؟.
-طبعا النقد موجود فأكثر الاحيان يتصل بنا المستهلك ليبلغنا بوجود مرارة في الماء! جوابنا أن السبب في المستهلك المتعود على مياه الإسالة التي تحتوي على نسبة (340 PP ) اي بصيغة اخرى ان نسبة الملوحة تقريبا 5% او 4% فنحن نصفر الملوحة الى اقل من 1%  فمياه الاسائلة تحتوي حوالي 3.5% و نحن نقللها الى 0.5% لهذا المستهلك يجد مرارة في طعم الماء. *
**-شكرا جزيلا لك
أخيرا
لابد أن نشير إلى أن أكثر المتضررين من تلوث مياه الشرب هم النِّساء والأطفال بحسب منظَّمة الأمم المتَّحدة للطفولة اليونيسيف التي أشارت إلى أنَّ 70% من أمْراض الطُّفولة في العراق ترتبِط باستِهلاك المياه غير النَّظيفة، ويعد الإسهال نتيجة شرب المياه غير النقية ثاني أكبر سبب يودي بِحياة الأطفال الصغار في العراق، ويُساهم بشكل ملحوظ في معدلات سوء التغذية.
 ويشير أحد الاطباء المتخصصين بأمراض الكلي إلى أن:
 أمراض تلوث المياه هي أمراض تراكمية لا تظهر بشكل مباشر بعد تناول المياه الملوثة، مما يجعل الكثيرين يعتقِدون بأن سبب مرضه ليس له علاقة بتناوله المياه الملوثة، ولكن تناول هذه المياه الملوثة يؤدي إلى أمراض خطيرة، منها: (التهاب المثانة، التهاب حوض الكلية، التهاب الكلية، التيفوئيد، الملاريا، الكوليرا، النزلات المعويَّة، التهاب الكبد الفيروسي، الأمراض الجلدية، تضخم الغدة الدرقية.
لذلك لابد من وضع هذا الامر تحت انظار من يهمه الأهم في العراق، ففي غياب الاحصائيات، والرقابة، وتدهور الوضع الامني، وتراجع الخدمات يقف المواطن ضحية رغم توافر مليارات الدولارات من عائدات النفط العراقي التي تتصاعد كل عام عن الذي قبله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق